علي بن أحمد المهائمي

67

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وهذا القدر كاف في هذا المطلوب ، وإذا كان الحق قد أجاب ندائي ( فما ألقي ) ، أي : أملى بطريق الإيماء ( إلا ما يلقي إليّ ) ، من الحضرة الإلهية ، أو النبوية بطريق الإيماء فإن لفظ الإلقاء يشعر بذلك ، ( ولا أنزل ) ، بطريق التصريح ( في هذا المسطور ، إلا ما ينزّل به عليّ ) ، من إحدى الحضرتين بطريق التصريح ، ولما أوهم ذلك أنه يدّعي النبوة قال : ( ولست بنبي ، ولا رسول ولكني ) ، أشابههم ؛ لأني ( وارث ) ، عنهم علومهم ، وأحوالهم ، وأعمالهم « 1 » ( ولآخرتي حارث ) ، بتحصيل ذلك ، فلا يبعد الإلقاء إليّ والإنزال عليّ ، وإن لم أكن نبيّا ، ولا رسولا ؛ لأن من شابه قوما أخذ بعض أحكامهم ، وإذا كنت لا ألقي إلا ما يلقى إليّ ، ولا أنزل ما ينزل به عليّ ( فمن اللّه ) ، لا مني ( فاسمعوا ) هذا الكتاب ، ( وإلى اللّه فارجعوا ) ، فإن فائدة السماع من اللّه لا تتم بدون الرجوع إلى اللّه في الفهم ، ( فإذا ما سمعتم ما أتيت به ) من عند اللّه ؛ ( فعوا ) أي : فاحفظوه كما يحفظ القرآن والأخبار النبوية . ( ثم ) أي : بعد الرجوع إلى اللّه ، وحفظ ما سمعتم يحصل لكم فهم في أسراره ، فعند ذلك ( بالفهم فصّلوا مجمل القول ) ، أي : ما أجمل فيه من الأسرار التي تضيق عنها العبارات الصريحة ، ( واجمعوا ) أي : اعزموا في توجيه الهمم إلى درك أسراره التي تضيق عنها أفهام أكثر أرباب العقول فضلا عن العامة . ( ثم ) أي : بعد حصول كمال الفهم لأسراره لا قبل ذلك ( منّوا به ) أي : بإظهاره مع ما فيه من الأسرار ( على طالبيه ) ، ليفوزوا برتبة التكميل بعد الفوز برتبة الكمال ، وطالبوه من ينتفع به في طريق الآخرة ، فيدعوه إلى المساعي الباطنة مع تزيين الظاهر بظواهر الأعمال ، فيؤكد في حقّه ظاهر الشرع باطنه ، وباطنه ظاهره ، لا من يعطل الجوارح من الأعمال ، ويرى باطن الشرع مخالفا لظاهره ، والحقيقة على خلاف الشريعة فإنه إلحاد وكفر ، فكل شريعة بلا حقيقة عاطلة ، وكل حقيقة بلا شريعة باطلة ، وإياك ثم إياك أن تضيعه بإعطاء أهل الأهوية ؛ فإنه كبيع السيف من قاطع الطريق إذ يرى أدنى الشبهات غنيمة ، ولا يرضى بتأويل الكتاب بما يوافق الشرع ، وإن كان أقرب من تأويله ، وأكثر طلبة هذا الكتاب في هذا الزمان ممن استولى عليه الشيطان ، وأغرقهم في بحر الطغيان ، واللّه المستعان . ( لا تمنعوا ) طالبيه من تحصيله ، فإن من منح الجهّال علما أضاعه ، ومن منع المستوجبين فقد ظلم ، وأشار إلى هذا الظلم بقوله : ( هذه الرحمة التي وسعتكم ) بحيث لا تنقص بالاتفاق مثل نقصان المال به ( فوسّعوا ) فإن منعته ظلم أشد من ظلم منع ماله من الجائع الذي تعذر عليه سد جوعته بغير ماله ؛ لأنه ينقص ماله بالإنفاق .

--> ( 1 ) قال الشيخ رضي اللّه عنه : إن أطيب ما يورّث من العلم ما يرثه العالم من الأسماء الإلهيّة .